الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
74
محجة العلماء في الأدلة العقلية
بحذافيرها ليسوا ممّن يقولون ( نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وهو هنا اما بمعنى المفعول مثل خلق اللّه اى مخلوقة فيكون بمعنى المكتوب في الطهارة أو بمعنى ما يفعل به كالنظام لما ينظم به فيكون بمعنى ما يجمع به الطهارة أو يكون منقولا عرفا وفيه ان كتب الايمان عبارة عن اتقانه بحيث لا يزول بتشكيك مشكّك وتجزية الايمان باعتبار متعلّقه بعيد ويظهر بما حققناه ما في كلمات غير هؤلاء الأساطين قدس سرهم في هذا المقام ومن الغريب انهم لم يحتملوا للكتب معنى غير الجمع مع أن الخط هو الّذى شاع استعماله فيه وأول المعاني المذكورة في القاموس والقول بأنه من افراد الجمع واضح الفساد حيث إن الخط وان لم يكن جمعا كتب وكذا جعلهم المصدر بمعنى المفعول مع أن المكتوب انما هو المعنى وليس بكتاب وانما الكتاب ما يكتب فيه كما صرح به في القاموس ان قلت إن المكتوب انما هو النقش لا المعنى قلت حقيقة الكتب انما هو الضبط والاتقان والحفظ والمحفوظ انما هو المعنى بتصور اللّفظ الحاكي عنه في الألواح والقراطيس وليس الخط مكتوبا وانما هو مثبت والحاصل ان الاتقان هو الجامع بين جميع موارد الاستعمال كالفرض والحكم والقدر وعلى هذا جرى استعماله في الكتاب العزيز في مواضع فمنها قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) اى الزم بحيث لا يصلح التغيير أو كتب في اللّوح ومنها قوله تعالى ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) اى اتقنه بالقضاء الذي لا يرد ولا يبدّل ومنها قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ) * اى اتقن بحيث لا مناص عنه « 1 » ومنها قوله تعالى ( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ) اى الزاما على نفسه ومنه يظهر الحال في ساير الموارد كقوله تعالى ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ ) وقوله تعالى ( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) وقوله تعالى ( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) وقوله تعالى ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ) * وقوله تعالى ( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) وقوله تعالى ( وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ) * وقوله تعالى ( كِتابٍ مَسْطُورٍ ) وغيرها من موارد الاستعمال هذا شرح اللّفظ وامّا الحقيقة فهل في حقيقة الكتاب هو واجب أو ممكن جزئي أو كلّى قديم أو حادث ذهبت الأشاعرة إلى أنه صفة قائمة بالذات الاقدس قديمة وسمّوها الكلام النفسي وهو عندهم من قبيل المعاني لا الالفاظ وخالفوا في ذلك جميع فرق الاسلام فانّهم على اختلاف آرائهم في حقيقته اتّفقوا على أنه من مقولة الالفاظ ومع ذلك فذهبت الحنابلة إلى انّها قديمة وافرط بعضهم فذهب انّ الحلة والغلاف قديمان فتوهم ان اللّفظ هو النقش المثبت في الجماد الحادث « 2 » ومع ذلك الموصوف به هو اللّه تعالى وكيف توهّم ان الحلم قديم مع أنه من الحيوان وذهبت المعتزلة إلى أنها حادثة قائمة بالملك والكرامية قالوا بحدوثها وقيامها باللّه تعالى ومنشأ الاختلاف القياسان المتناقضان أحدهما ان كلامه تعالى صفة له وكل صفة له تعالى قديم فكلامه قديم الثاني ان كلام الله تعالى مؤلف من اجزاء مترتّبة متعاقبة في الوجود وكلّما هو كذلك فهو حادث فكلام حادث فاضطروا إلى القدح في أحدهما بمنع بعض المقدّمات فالحنابلة والأشاعرة صحّحوا القياس الأول ومنع الأول كبرى الثاني والثاني صغراه والكرامية والمعتزلة صحّحوا القياس الثّانى ومنع الأول كبرى الأول والثاني صغراه واحتجّ الأشاعرة بان المتكلم من قام به الكلام لا من أوجد الكلام ولو في محلّ آخر للقطع بان موجد الحركة في جسم آخر لا يسمّى متحرّكا وان اللّه تعالى لا يسمّى بخلق الأصوات مصوّتا وانا إذا سمعنا قائلا يقول انا قائم سمّيناه متكلّما وان لم نعلم أنه الموجد لهذا الكلام بل وان علمنا أن موجده هو اللّه تعالى كما هو رأى أهل الحق وحينئذ
--> ( 1 ) ومنها قوله كتب على نفسه الرحمة فإنها بمقتضى وجوب الوجود لا يمكن تغيّرها ومنها قوله تعالى كتبها لنفسه صح ( 2 ) الحادث